ابن خلكان

21

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

524 « * » فاتك المجنون أبو شجاع فاتك الكبير المعروف بالمجنون ؛ كان روميا ، أخذ صغيرا هو وأخ له وأخت لهما من بلد الروم من موضع قرب حصن يعرف بذي الكلاع ، فتعلم الخط بفلسطين ، وهو ممن أخذه الإخشيد من سيده بالرملة كرها بلا ثمن ، فأعتقه صاحبه ، وكان معهم حرا في عدة المماليك ؛ وكان كريم النفس بعيد الهمة شجاعا كثير الإقدام ، ولذلك قيل له « المجنون » ، وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيد ، فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في تربية « 1 » ابن الإخشيد - كما سيأتي في ترجمة كافور إن شاء اللّه تعالى - أنف فاتك من الإقامة بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه ، ويحتاج أن يركب في خدمته ، وكانت الفيوم وأعمالها إقطاعا له ، فانتقل إليها واتخذها سكنا له ، وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم ، فلم يصح له بها جسم ، وكان كافور يخافه ويكرمه فزعا منه وفي نفسه منه ما فيها ، فاستحكمت العلة في جسم فاتك وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة ، فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور ، وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه « 2 » ، غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا من كافور ، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام ، ثم التقيا في الصحراء مصادفة من غير ميعاد ، وجرى بينهما مفاوضات ، فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار ، ثم أتبعها بهدايا بعدها ، فاستأذن المتنبي الأستاذ كافورا في مدحه فأذن له ، فمدحه في التاسع من جمادى الآخرة سنة

--> * ( 524 ) - انظر النجوم الزاهرة 3 : 329 ، 4 : 56 وعبر الذهبي 2 : 287 والشذرات 3 : 5 . ( 1 ) ر : خدمة . ( 2 ) ن : شجاعته .